الأزمة اللبنانية لِمَ فشل الجميع فى إيجاد الحل ؟
الجمهورية اللبنانية التى قامت على أساس توليفة حكم فريدة فى نوعها وطعمها ورائحتها إبان الإنتداب الفرنسي قبل ست وسبعون عاماً ، والتى حددت المحاصصة الطائفية لإدارة الدولة بأن يكون الرئيس مسيحي ماروني ، ورئيس مجلس الوزراء مسلم سني ، ورئيس مجلس النواب مسلم شيعي والدفاع المدني من " البدون " وتم تثبيت ذلك لاحقاً فى إطار إتفاقية الطائف التى كانت الفرصة الذهبية بل النادرة لتجاوز الطائفية لا تكريسها بعد الخروج من الحرب الأهلية التى إستمرت من 75- 1989 م .
هذا الإرتكاز على الولاء الطائفي والحزبي لم يأخذ فى الإعتبار القراءة المستقبلية للأوضاع ، كأن الذى إبتدع تلك الفكرة الجهنمية يريد هذه النتيجة المجهولة للبلد ، ولكن ربما يكون ذلك الإتفاق الدستوري صالحاً وقتها وربما أيضاً لسنوات قليلة بعد ذلك ولكن ليس فى كل الأحوال وخاصة ً فى التركيبة اللبنانية الطائفية هذه ، فالمنطق والعقل يقول ذلك ويجب أن لا ننسى أيضاً التحولات الإقليمية والدولية وتأثيرها الكبير على بعض الدول إستناداً على وضعها فى المنطقة .
منذ دخول لبنان أزمة الرئاسة بعد إنتهاء فترة إميل لحود فى منتصف نوفمبر من العام الماضى والتى سبقتها تجاذبات وملاسنات ومكايدات وإغتيالات وأخيراً التهديد الجدي بالعودة إلى الحرب " متل ما بدكم " التى صرح بها رئيس كتلة اللقاء الديمقراطي بالبرلمان " وليد جنبلاط " بأنهم جاهزون لحرق الأخضر واليابس وصفق له الحضور بحرارة وكأنهم كانوا فى شوق وإنتظار للعلعة الرصاص ورائحة الموت وخراب الأرض منذ زمن طويل ، وكأن لبنان يقول لنا نحن نمارس الديمقراطية ونمارس الموت الديمقراطي أيضاً .
ومصيبة لبنان أن موقعه جعل منه ضحية للعملاء والجواسيس ومكاناً خصباً لتصفية الحسابات من المنظمات والأفراد والدول المجاورة وأمريكا وأوروبا التى إنغمست فى تلك المعضلة العويصة مع وجود الجامعة العربية الرديئة التى جلست تتفرج على الجميع لفترة وهي تشيعهم بنظراتها " العمروموسية " متمنية لهم الفشل المركب لتتدخل هي فى الأمر وعلى جبينها وبالخط العريض كُتبت العبارة المعهودة " فشلت الجامعة العربية من حيث أتت " .
مشكلة الدول العربية هي الإنغلاق والإحتكام لقوانين ودساتير وملكيات وسلطنات وإمارات عفى عليها الزمن ، فلا هي تستطيع أن تغير فى مفاهيمها وإنطباعاتها فيما يجرى حولها ولا هي تستطيع أن تواكب العلم والإنسانية والحرية والمستقبل للأجيال القادمة ، فأصبحت مسخاً مشوهاً فى كل شيء " شوية ديمقراطية على شوية ملكية على شوية دين على شوية عولمة على بيض مسلوق " والنتيجة الحتمية تخلف وغوغائية وسموم ومن ثم التوشح بالتاريخ وإصدار فتاوى يضحك عليها الذباب ويستفرغ منها النمل .
الأوطان والشعوب يجب أن تكون هى الثابت والأنظمة هي المتحرك أو المتغير ولكن يبدو أن القاعدة تسير بالمقلوب وخاصة ً فى العالم العربي حتى وإن أدى ذلك إلى تقسيم الأوطان بشعوبها على " الريق " بالرغم من أن الله حباها من كل شيء أضعاف مضاعفة مما لدى الآخرين ولكنها تنقب عن الأعذار لتلقي باللوم واللؤم معاً على كل شىء تراه أمامها إبتداءً من الصهيونية العالمية وإسرائيل ومروراً بأمريكا وأوروبا ووصولاً إلى نظرية المؤامرة مع إلقاء نظرة مختلسة على الشيوعية لتبرر خيبتها وخيبة حكامها الذين لا يهمهم إن خسرت البلاد ثرواتها الآنية والمستقبلية بسبب فقرة فى الدستور أو فقرة فى اللسان أو راحت الأموال فى لعب ما يسمى بالبورصات العربية .
أما الجامعة العربية وأمينها العام عمرو موسى ومن لف لفه من وزراء الخارجية العرب فلا يبحثون بالطبع عن حل ٍ جذري ومستقبلي للأزمة وهذه معضلة الجامعة العربية برمتها ، فهي تبحث عن الحلول الجزئية أو الآنية وبعدها " يحلها ألف حلاّل " مما يدل على أن الجامعة والقائمون عليها لا يملكون خططاً لمواجهة الأزمات أو العلل التى تبرز إلى السطح أو تصيب شعوب المنطقة ، وهو نفس اللهاث الذى مارسته أو تظاهرت به فيما يختص بأزمة دارفور ليمارس عمرو موسى هوايته المفضلة بالتصريحات تحت أضواء وسائل الإعلام بأن الأطراف المتنازعة قد جلست وتبادلت الضحكات إياها بعد أن شربت الشاى الأخضر وإرتشفت الينسون ، وهو إنجاز ضخم يجب أن يشكر عليه الأمين العام موسى .
المشكلة اللبنانية ليست فى المعارضة والموالاة أو فى قبول طرف ورفض الطرف الآخر للمبادرات البرية والجوية من الوسطاء الإقليميين والدوليين ، ولكنها فى المواد الجهنمية للدستور التى إتفق عليها اللبنانيين أو بالأحرى الطوائف المذهبية لإدارة البلاد منذ عام 1932 م وتكريس ذلك الإتفاق الطائفي بطريقة طائفية فى الطائف عام 1989 م ، فالرهان على المحاصصة الطائفية فاشل كما هو الحال مع القبلية التى تضرب بأطنابها فى السودان والتى يعلى بموجبها شخص ويوضع أشخاص برغم تفوقهم وخبرتهم ووطنيتهم ومهنيتهم ، ولكن يأبى أصحاب الأفق الضيق إلا أن تظل أوكار الحزبية والطائفية والقبلية بارزة الأنياب لتحرق حاضر الأمة ومستقبلها .
حتى لو توصل الفرقاء اللبنانيون على الإتفاق لإختيار رئيس للجمهورية بعد كل مواعيد " عرقوب " هذه ستظل المعضلة قائمة ولا يخرج لبنان من مشكلة إلا ويدخل فى أخرى وما تصريحات وليد جنبلاط هذا الاسبوع ، التى تعكس مدى حالة الإحتقان الخطيرة التى وصلت إليها الطوائف الحزبية والتى حاول إيجاد المبررات والتفسيرات لها فى اليوم التالى ببعيدة ، وهى نفس الحالة السرطانية المزمنة التى حدثت ولا تزال تحدث فى السودان ، حتى يعاد النظر أو يُصحح الدستور أوتعدل فقراته ومواده المريضة بما يتناسب وتطلعات الشعب اللبناني وكل شعب يتطلع للمستقبل .
كتبها مدونــــــــة عبدالماجد في 12:48 مساءً ::
الاسم: مدونــــــــة عبدالماجد
