الإنتخابات السودانية والعودة الى سوق المساومات
قبيل الإنتخابات بعدة ساعات خرجت علينا ما تُسمى بالمفوضية القومية للإنتخابات بما يُشبه بياناً عسكرياً وليس مؤتمراً صحفياً لطيفاً لتوضيح بعض النقاط فى كيفية إجراء عملية الإقتراع وزادت المفوضية من جرعات الثقة بالنفس على أنها جاهزة ومستعدة لأي طارئ بنسبة تفوق المائة بالمئة وذرت الرماد فى عيون الجميع وخاصة المنتقدين لها ولخروقاتها وعوراتها الكثيرة التى نبهت لها القوى السياسية المختلفة حتى قبل أن تبدأ عملية الإقتراع ولتضفي المفوضية مزيداً من المصداقية على هيكلها وأن كل شئ على ما يرام وأكثر قالت بالحرف الواحد أن أي ناخب يستطيع ليس فى ولاية الخرطوم فحسب بل فى كل أرجاء البلاد أن يتصل على رقم هاتف معين منذ هذه اللحظة أى ( لحظة المؤتمر الصحفي ) ويذكر إسمه وستخبره المفوضية عن دائرته الإنتخابية ومكان الإدلاء بالصوت ولشدة ثقة المفوضية فى نفسها وآليتها لم يتبق لها إلا أن تقول أنها تستطيع أن ترشد الناخب لأقرب الطرق المؤدية لمراكز الإقتراع تفادياً للزحام الكثيف وتخفيفاً للعبء الذى يكاد يكسر ظهره ولكن الأحداث بعد ذلك أثبتت بالطبع عكس ذلك فى حالات عديدة وليس فقط عن إخبار الناخب عن مكان الإقتراع الصحيح بل عن ضياع اسمه وبطاقته بل وحتى مرشحه فى بعض الأماكن لم يعثر له على أثر هذا ناهيك عن ضياع رموز المرشحين وأسمائهم وفى أفضل الأحوال تبديلها برموز أخرى ثم تأتى المفوضية بعد ذلك وتقول إنها أخطاء فنية وخروقات ( ما عارف إيه ) وأن الطباعة تمت فى الخارج للرموز وأن الدول العربية لا تعرف اللهجة السودانية ولذلك غيرت رمز ( الطبلة ) التى يطلقها السودانيون على القُفل الى ( الطبل ) الذى تتمايل على إيقاعه الراقصات لتبرر ما تعرض له الناخب ومرشحه من سطو على حقه الذى ضاع مع سبق الإصرار والترصد ، وإلا لماذا لم ترسل المفوضية مندوباً يشرف على عملية الطباعة والتأكد من صحة الرموز والأسماء والبطاقات وعددها والحبر ونوعيته وصلاحيته وكل ما يتعلق بذلك الإستحقاق الإنتخابي قبل الطباعة حتى تبرئ ذمتها أمام الشعب على أقل تقدير ؟
والمدهش فى الأمر ما أن ينتهى مؤتمر المفوضية وهرائه بالإصرار على أن لا شئ يدعو للقلق وأن كل شئ يسير وفق الخطة المرسومة حتى يخرج علينا المؤتمر الوطني عن طريق ما يسمى بالتلفزيون القومي وتتبعه القناة المشبوهة ( الشروق ) بالمحللين الدجالين ليقولوا أن المسألة تمت بغير قصد وأنها مجرد أخطاء فنية وخروقات شكلية لا تؤثر على سير الإنتخابات وأن مثل هذه الأشياء حدثت ولا تزال تحدث فى كل العالم ويضربون الأمثال بالولايات المتحدة وما حدث بين آل غور وبوش عام 2000م مع إعتقادي التام بأن هذه التبريرات مجرد تضليل وألاعيب لتكريس نمط معين لتسير عليه العملية الإنتخابية الحالية وكل عملية إنتخابية إن قدر لها الله أن تكون فى المستقبل ومن ثم ليس أمام الجميع إلا الطاعة والتسليم بالأمر الواقع .
ولكن على الرغم من ذلك أستغرب لماذا لم يسقط اسم المواطن عمر البشير مثلاً أو أياً من أقطاب المؤتمر الوطني ؟
أو ماذا سيكون موقف البشير من الإنتخابات إذا ذهب ليصوت مثلاً وفوجئ بأن اسمه قد سقط من الكشوفات أو أن أحداً قد صوت نيابة عنه ؟
أو أن رمز الشجرة قد تحول بقدرة قادر الى سلحفاء مثلاً ؟
دعك من البشير فلنقل إن هذا حدث لصلاح قوش ، فيا ترى هل سيقبل المؤتمر الوطني أو البشير أو قوش ذلك الخطأ الفني وهم خارج السلطة ؟ بل هل سيقبلون بها وحتى هم فى السلطة ؟ بالتأكيد ستلغى الإنتخابات أو على الأقل سيحدد يوم آخر لها بعد أن يتم إصلاح الخلل بصورة مهنية وشفافة ، فلنقل إن ذلك السقوط فى الأسماء والرموز والحبر المغشوش قد حدث فى هذه الإنتخابات ( أى أن البشير وزمرته فى السلطة ) بالطبع سيوجه إتهامه مباشرة للمعارضة قبل المفوضية ويصمها بالتزوير والغش والكذب والخداع تمام
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ